النويري
154
نهاية الأرب في فنون الأدب
أو وافق رأيه ومذهبه على من باينه في النسب أو خالفه في رأى ومذهب ، فيظهر من المباينة ما تفرّق به الكلمة الجامعة تشاغلا بالتقاطع والاختلاف . فقد أغضى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن المنافقين وهم أضداد في الدين ، وأجرى عليهم حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر بهم العدد وتكاملت بهم العدّة ، ووكلهم فيما أضمروه من النفاق إلى اللَّه تعالى . قال اللَّه تعالى : * ( ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) * قيل فيه : الدولة ، وقيل : القوّة . والثاني - تدبير الحرب . قال الماوردىّ : والمشركون في دار الحرب صنفان ، صنف منهم بلغتهم دعوة الإسلام فامتنعوا منها وتأبّوا [ 1 ] عليها . فأمير الجيش مخيّر في قتالهم بين أن يبيّتهم ليلا ونهارا بالقتل والتحريق ، وبين أن ينذرهم الحرب ويصافّهم في القتال . والصنف الثاني لم تبلغهم دعوة الإسلام وهم قليل جدّا ، إلا أن يكونوا وراء من يلي هذه البلاد الإسلامية من الترك والروم في مبادئ بلاد المشرق وأقاصى المغرب ، فيحرم عليه الإقدام على قتالهم غرّة وبياتا ، وأن يبدأهم بالقتال قبل إظهار دعوة الإسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوّة وظهور الحجة ما يقودهم إلى الإجابة . فإن أقاموا على الكفر بعد ظهورها لهم ، حاربهم وصاروا فيه كمن بلغتهم الدعوة . قال اللَّه تعالى : * ( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) * معناه إلى دين ربّك بالنبوّة والقرآن . فإن بدأ بقتالهم قبل دعائهم إلى الإسلام وإنذارهم بحججه وقتلهم غرّة وبياتا ، ضمن ديات نفوسهم . وهى على الأصح من مذهب الشافعي كديات المسلمين . وقيل : بل تكون كديات الكفار على اختلافها . وإذا تقابلت الصفوف في الحرب جاز لمن قاتل من المسلمين أن يعلَّم بما
--> [ 1 ] كذا في الأحكام السلطانية ، وفى الأصل : « وقاتلوا عليها » .